السعودية في قلب صناعة الألعاب والرياضات الإلكترونية: قصة تحول تلفت أنظار العالم

بقلم: براين وارد، الرئيس التنفيذي لمجموعة سافي للألعاب الإلكترونية
قبل أكثر من ثلاث سنوات، تأسست مجموعة سافي للألعاب — التي أصبحت اليوم جزءاً محورياً من الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية — برؤية طموحة أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – تهدف إلى قيادة الاستثمار العالمي في هذا القطاع، وجعل المملكة مركزاً عالمياً للألعاب والرياضات الإلكترونية.
بالنسبة لي، وبعد عقود من العمل في صناعة الألعاب، كان الهدف الأول طموحاً، لكن الثاني كان استثنائياً. المشاركة في بناء منظومة وطنية متكاملة من الصفر، والمساهمة في صياغة مستقبل قادر على إحداث تحول في بلد بأكمله، هي فرصة نادرة في هذه الصناعة.
ولتحقيق هذه الرؤية، كان من الضروري جذب الناشرين والعلامات التجارية والمستثمرين ورواد القطاع للعمل معنا في بناء هذه المنظومة. وخلال هذه السنوات الثلاث، قمنا بزيارات إلى الصين وكوريا الجنوبية والسويد والبرازيل والولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة — وهي جميعها أسواق مزدهرة في مجال الألعاب والرياضات الإلكترونية. وقد أمدتنا هذه اللقاءات برؤى خارجية ثرية حول التحديات التي يواجهها القطاع، والأهم من ذلك السمات التي تجعل المملكة شريكاً عالمياً مفضلاً. ويمكن تلخيص هذه السمات في ثلاثة محاور رئيسية:
قوة الرؤية المشتركة
من أبرز النقاط التي استخلصناها من هذه النقاشات هي أهمية التعاون بين الحكومة وكافة أطراف المنظومة الأوسع. تحويل المملكة إلى مركز عالمي للألعاب والرياضات الإلكترونية يتطلب أكثر من جهود جهة واحدة — بل يستلزم رؤية مشتركة وعملاً جماعياً متكاملاً.
عند لقائي بالشركات الدولية وأصحاب المصلحة، غالباً ما أشير إلى أن المملكة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك استراتيجية وطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية. هذه الاستراتيجية تمثل قوة دافعة أساسية لتوحيد الجهود داخل القطاع المحلي نحو أهداف واضحة ومشتركة.
كما تعكس هذه الخطوة الريادة وتؤكد الالتزام طويل الأمد بنمو الصناعة. ويظهر ذلك بوضوح في مجال الرياضات الإلكترونية، حيث يعتمد النجاح على بناء بيئة تتيح للأندية والفرق واللاعبين الازدهار اقتصادياً ومهنياً. فإذا لم يتمكن هؤلاء المشاركون الأساسيون من الاستدامة، نفقد القدرة على جذب جماهير جديدة والحفاظ على القديمة وبناء قاعدة المشاهدين التي تدعم نمو الرياضات الإلكترونية. نحن نؤمن بأن الرياضات الإلكترونية هي الرياضة العالمية القادمة، وتمثل فرصة هائلة للناشرين والمجتمعات والعلامات التجارية لتعزيز ارتباطهم بالجماهير واللاعبين.
وهنا تتجلى أهمية الرؤية طويلة الأمد والالتزام الذي تبنته المملكة. وبفضل جهود القيادة، ووزارة الرياضة، واللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، والاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية، ومؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية، وعدد من الجهات الأخرى، أعلنت اللجنة الأولمبية الدولية عن استضافة المملكة لأول دورة للألعاب الأولمبية الإلكترونية في الرياض، لتشكل رابطاً قوياً بين الأجيال الرقمية وأكبر مؤسسة رياضية عالمية، مؤكدة أن الرياضات الإلكترونية أصبحت رياضة سائدة بالفعل.
فرصة التوطين
خلال نقاشاتنا، لاحظنا أن العديد من الشركات العالمية لم تدرك بعد حجم الفرص التي يتيحها التوطين بما يتجاوز مجرد الترجمة لتلبية التفضيلات الثقافية.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك ما يقارب 332.5 مليون متحدث أصلي باللغة العربية (وفقًا لإثنولوج)، مما يعني وجود جمهور ضخم محتمل للمحتوى والفعاليات والتجارب الموطنة. تقليدياً، كان يُنظر إلى التوطين في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية على أنه مجرد ترجمة، لكن هذا المفهوم يغفل القيمة الحقيقية للمحتوى الذي لا يقتصر على اللغة العربية، بل يعكس أيضاً التجربة العربية ويخاطب ثقافتها. تظهر الدراسات أن اللاعبين في الخليج يفضلون بشكل كبير المحتوى باللغة العربية، ويبحثون عن شخصيات وقصص عربية في الألعاب التي يلعبونها.
فعالية مجتمع "بوكيمون جو" الأخيرة التي أقيمت في "بوليفارد سيتي" وجذبت أكثر من 5,000 مشجع للاحتفال بالإطلاق الرسمي للعبة في المملكة، أبرزت كيف يمكن للعلامات التجارية تعزيز ارتباطها بالمجتمعات المحلية، وأظهرت مدى استجابة اللاعبين عندما يتم التعامل مع الألعاب بالتسويق المناسب والتركيز على التوطين.
وباستشراف المستقبل، تماماً كما نجحت الصين واليابان في سرد تاريخها وأساطيرها عبر الألعاب، هناك فرصة هائلة للقيام بذلك باستخدام التراث والأساطير العريقة للمملكة. وعندما يتم ذلك بشكل أصيل من خلال فرق تطوير عالية المستوى، كما أظهر لنا النجاح الكبير للعبة الصينية (Black Myth Wukong) هذا العام، يمكن لهذه القصص أن تحظى بجاذبية عالمية تتجاوز الثقافات والحدود.
النهج الاستراتيجي للاستثمار في البنية التحتية
في البداية، تساءل بعض الشركاء المحتملين عما إذا كان السوق الشاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمتلك البنية التحتية الكافية لدعم منظومة محلية قوية.
ردنا كان واضحاً: البنية التحتية ليست سوى جزء من القصة. في المملكة، تم تنسيق البنية التحتية المادية، والتقنيات المتقدمة، وتنمية الكفاءات المحلية لإرساء أسس منظومة ألعاب ورياضات إلكترونية متعددة الأبعاد ورائدة عالمياً، يمكن أن تصبح معياراً على مستوى المنطقة والعالم.
في مدينة القدية، يجري تطوير حي الألعاب والرياضات الإلكترونية كأول حي حضري في العالم مخصص لهذا القطاع. وعند إطلاقه، سيجذب الاستثمارات لتقديم تجربة عالمية المستوى للاعبين والمشجعين.
إضافة إلى المرافق، تعمل وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات على ضمان امتلاك المملكة للبنية التحتية الرقمية لدعم النمو السريع للقطاع. مبادرة المصدر التقني، التي أطلقت الوزارة مرحلتها الثانية هذا الصيف، تعمل على تحسين سعة الخوادم المحلية والبنية التحتية السحابية، وتقليل زمن الاستجابة، وتحسين تجربة اللاعبين في جميع أنحاء المنطقة.
أما على صعيد تنمية الكفاءات المحلية، فهذا بلا شك أحد أصعب التحديات، إذ لا يمكن تدريب مطور ألعاب أو لاعب محترف بين ليلة وضحاها. لكن حتى هنا، بدأنا نرى فوائد النهج الشامل عبر سلسلة القيمة الكاملة. يتم إنشاء وظائف مساندة في مجالات مثل الإنتاج وضمان الجودة، مما يمنح الخريجين الجدد خبرة عملية في القطاع ويوسع قاعدة المواهب للشركات العالمية القادمة.
بعد ثلاث سنوات من انطلاق رحلتنا، أصبح سوق الرياضات الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والمملكة من بين الأكثر حيوية في العالم. ومع أكثر من 70 مليون لاعب، تحتل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر) مرتبة بين أكبر أسواق الألعاب والرياضات الإلكترونية عالمياً، وهي ثاني أسرع منطقة نمواً على مستوى العالم. المملكة هي القوة الدافعة وراء هذا النمو، إذ تضم أكثر من 24 مليون لاعب — يمثلون 67% من السكان — وحققت إيرادات بلغت 1,18 مليار دولار في عام 2024 (وفقاً لشركة Niko Partners)، أي ما يعادل 58.3 من إيرادات الألعاب في المنطقة. وبحلول عام 2026، من المتوقع أن يصل السوق إلى 1.36 مليار دولار، مما يؤكد إمكاناته الهائلة للنمو.
أما مجموعة سافي نفسها فقد حققت إنجازات مذهلة. ما بدأ بموظف واحد فقط أصبح الآن واحدة من أكبر عشر شركات في القطاع، تضم أكثر من 3,500 موظف حول العالم. وحدة أعمالنا سكوبلي هي واحدة من أبرز شركات ألعاب الجوال عالمياً ومبتكرة لعبة "مونوبلي جو!" الحائزة على الجوائز. ومع أكثر من 600 مليون لاعب ومشجع، نحن من بين أكبر المجتمعات الرقمية عالمياً. بالإضافة إلى ذلك، ومن خلال مجموعة "إي إس إل فيست ESL FACEIT" التي نظمت بنجاح النسخة الأولى من كأس العالم للرياضات الإلكترونية، أصبحنا الشركة الرائدة عالمياً في مجال الرياضات الإلكترونية من حيث الحصة السوقية.
خلال مسيرتي المهنية، شهدت تطور ونمو أسواق مختلفة، لكنني لم أرَ تحولًا بهذه السرعة من قبل. لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به، ولكن بعد أن كانت الشركات الدولية مترددة في السابق، أصبحت ترى المملكة العربية السعودية بشكل متزايد كشريك مفضل — مكان تنسجم فيه الطموحات مع الأفعال، وحيث أدت الرؤية طويلة الأمد إلى تعاون حقيقي بين جميع الأطراف.
من منظوري، أشعر بفخر كبير لرؤية مجموعة سافي تساهم في بناء هذه المنظومة جنباً إلى جنب مع مجتمع نابض بالحياة ويتبنى التفكير المستقبلي. ومع استمرار تطور صناعة الألعاب والرياضات الإلكترونية في المملكة العربية السعودية، يبقى الباب مفتوحاً أمام الشركاء العالميين ليشهدوا هذا التحول عن كثب ويشاركوا في صياغة الفصل القادم من هذا القطاع الديناميكي سريع النمو.
مختاراتالمدونة
الرياض تُرسّخ مركزها العالمي في الرياضات الإلكترونية وترتقي بمنظومة القطاع عالميًا